علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
8
البصائر والذخائر
عند مستمعيه ، وعاشر ما قبل نصحك في العشرة ، وتفرّد ما رأيت الخلل في الخلّة ، واعمل ما دام الإخلاص صاحبك ، واعتقد ما صحب اليقين عقيدتك ، واصرف غاية اجتهادك ونهاية سعيك وبليغ كدحك في اقتباس العلم فإنّه نور وضياء ، وبرّ وشفاء ، وحلية وجمال ، ومتعة وراحة ، وهدي وبيان ، وسعادة ونجاة ، ودنيا وآخرة ، وغنى ويسار ، إن لم يغنك بالبضاعة أغناك بالقناعة ، وإن لم يبلّغك منزلة النّيل به لم يخلك من الاستراحة إليه . وقف متعلّم بباب عالم فقال : واسونا ممّا رزقكم اللّه ؛ فأخرجوا له طعاما فقال : فاقتي إلى كلامكم أشدّ من حاجتي إلى طعامكم ؛ اعلموا أنّ فلانا طالب هدى لا سائل ندى . فأذن له وأوسعه فوائد ، فخرج وهو يقول : علم أوضح لبسا ، خير من مال أغنى نفسا . نظر عالم إلى تلامذته فقال : ما كلّ ذي تحصيل يرجع إلى تفصيل ، وما كلّ ذي سماع يأوي إلى قلب يراع ، وما كلّ ذي اقتباس يستند إلى قياس ، وأنشد : [ البسيط ] لا تبخلنّ بفضل العلم تمنحه * ما كلّ قابس علم حلف مقباس إنّ النجوم يراها كلّ ذي بصر * وليس يعرفها جيل من النّاس وكن [ من ] مصيرك إلى اللّه على فرق ، فإنّ ذلك يسهّل عليك الكدّ في طلب الراحة ، ولا يغرّنّك ظاهر ما ترى من هذا العالم عن باطن ما تغفل عنه ، فإنّ ناظم هذا الفلك ، ومزيّن هذه السماء ، وساطح هذه الأرض ، وجاسي « 1 » هذا الجوّ ، وفالق هذا البحر ، وبارىء هذه النّسمة ، لم يخلقها عبثا ، ولم يتركها سدى ؛ فاعرفه معرفة تنسيك ما سواه ، واعتصم بحبل من حسن الظنّ به فإنه يجزيك ، وتحبّب إليه بالتّحبّب إلى خلقه ، وتطامن للحقّ ، وأعزّ الحقّ ،
--> ( 1 ) ح : وحاسي .